مقالات العام

لماذا الاصرار على عدم الغاء القرار رقم 150؟

فاضل عباس البدراوي
اصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قرارا برقم 150 لسنة 1986، يقضي بتحويل عمال القطاع العام الى موظفين، واستنادا الى القرار المذكور، حرم العمال في القطاع العام من التنظيم النقابي، بذريعة ان الموظفين غير مشمولين بالتنظيم النقابي.
لكن في حقيقة الامر ، كان وراء اصدار ذلك القرار، اهداف سياسية وذهنية طبقية، ذلك لتحجيم دور النقابات العمالية، بالرغم من ان قيادات تلك النقابات في فترة الحكم البعثي كانت تعين من قبل ما كانت تسمى، القيادة القطرية للبعث، الا ان حسابات فيها بعد نظر كان وراء تشريع ذلك القرار، ومن جملة تلك الحسابات هو عزل العمال عن التكتل في تنظيم نقابي مهما كان لون القيادات المسيطرة على النقابات.
وبعد اصدار القرار السيء الصيت الانف الذكر، لم يتغير شيء من طبيعة عمل العاملين في القطاع العام، فبقيت ساعات العمل على حالها، وظروف العمل كما كانت، وتعرض العاملين الى مخاطر المهنة كما هو، والشيء الوحيد الذي تغير، هو حرمان هؤلاء العاملين من الانتماء للنقابات العمالية.
الا ان الامر المحير هو اصرار الحكومات المتعاقبة، بعد سقوط النظام الدكتاتوري على الابقاء على ذلك القرار المجحف بحق مئات الالوف من العاملين في القطاع العام، تحت نفس ذريعة النظام المباد، وهو بأن الموظفين غير مشمولين بالتنظيم النقابي، لكن الوقائع تدحض هذا الادعاء، فكيف يحق للمعلمين وهم موظفون حكوميون بالانتماء الى نقابتهم؟ وكيف يحق للمهندسين والاطباء والصيادلة واغلبيتهم موظفون حكوميون بالانتماء الى نقاباتهم؟ وهناك عدد كبير من الاعلاميين الذين يعملون في المراكز الاعلامية للوزارت والدوائر الحكومية هم اعضاء في نقابة الصحفيين، فلماذا يحرم عمال القطاع العام وحدهم من حقهم المشروع في التنظيم النقابي؟ علما بأن هذا الحق مكفول لكافة العاملين في القطاعات الحكومية في الدول الديمقراطية، كذلك في بعض من الدول العربية كمصر والمغرب وتونس وغيرها، وان الاطباء والمهندسين والمحاسبين والادارييين العاملين في القطاعات والمنشأت الصناعية والانتاجية الحكومية منظمون الى النقابات العمالية في تلك البلدان، ففي اواسط ستينيات القرن الماضي، كان المرحوم الدكتور احمد فهيم رئيسا لاتحاد نقابات العمال في مصر، كما انتخب امينا عاما للاتحادالدولي للعمال العرب والاتحاد العام لنقابات العمال في العراق كان وما يزال عضوا في هذا الاتحاد، وشاهد آخر على ما اقول، ان رئيس وزراء المغرب في خمسينيات القرن الماضي المرحوم عبدالله ابراهيم كان كاتبا عامل للاتحاد المغربي للشغل، فلماذا يشذ المسؤلون العراقيون، سواء في عهد الدكتاتورية او بعد سقوطها عن باقي دول العالم؟ اعتقد ان نفس ذهنية حكام العهد المباد تجاه العمال هي التي تتحكم في عقول المسؤولين عندنا، فلا يتحملون نقابات عمالية حرة، واتحاد عمالي قوي يضم مئات الالوف من العمال، بالاخص العاملين في قطاعات النفط والموانيء والسكك والكهرباء والاتصلات وغيرهم، لانهم يفتقرون الى امتدادات عميقة في اوساط تلك الكتل العمالية الكبيرة، والا بماذا نفسر هذا الاصرار على الابقاء على قرار تعسفي صادر من سلطة دكتاتورية فاشية، وندعي اننا نعيش تحت ظل نظام ديمقراطي، ينص دستوره على حرية التنظيم النقابي؟
اطرح هنا هذا السؤال على المسؤولين عندنا. عندما تحدث مشكلة بين ادارة احدى القطاعات الحكومية وبين العاملين فيها، لتجاوز الادارة على حقوق العاملين، او مطالب معينة للعمال، ومن ثم من المحتمل ان يتطور الامر الى قيام العاملين بالاضراب عن العمل، من هي الجهة التي ستتفاوض معها الادارة اذا لم تكن هناك لجنة نقابية منتخبة من قبل العمال؟، ولو لم تكن هناك نقابة عمالية ينتمي اليه هؤلاء العمال تدافع عن حقوقهم، وحتى اذا ما وصل الامر الى القضاء فمن يمثل العمال امام القضاء؟ وهذا ما حدث فعلا، عندما اضرب عمال مصنع الصناعات الجلدية قبل فترة، مطالبين بحقوق لهم، وكذلك حدث عندما اضرب قبل سنوات قليلة العاملين في نفط الجنوب لنفس الاسباب.
ان انتظام عمال القطاع العام في نقاباتهم سيسهل الامر كثيرا على الجهات الحكومية، فلا يقتصر مهام النقابات العمالية واتحادهم العام على المطالبة بالحقوق فقط وانما يتعدى الى ابعد من ذلك، حيث تكون النقابات مدرسة لنشر الوعي بين العمال، وذلك عن طريق حثهم على زيادة الانتاج وتحسين نوعيته وحماية المنشأت والمصانع الى يعملون فيها من التخريب وغيرها من المهام الوطنية، فلا خوف اذن من التنظيم النقابي الحر الذي هو من صلب سمات الانظمة الديمقراطية.
بصفتي نقابيا قديما احث الاخوة في الاتحاد العام لنقابات العمال، على عدم الاستسلام للامر الواقع، بل النضال الدؤوب والعمل الحثيث وحتى الالتجاء الى اتحاد عمال العرب والاتحاد العالمي لنقابات العمال الذان ينضوي تحت لوائهما اتحاد نقابت العمال في العراق، للضغط على المسؤولين في العراق لاطلاق حرية التنظيم النقابي باوسع اشكاله للعاملين في القطاع الحكومي العام، وعدم الاستكانة او الاكتفاء بتقديم المذكرات وكتابة المقالات فقط، و بالامكان اللاتجاء الى القضاء، والمطالبة منه بتطبيق الدستور الذي ينص على حرية التنظيم النقابي.
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: لماذا الاصرار على عدم الغاء القرار رقم 150؟ Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى