مقالات العام

صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية


صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية

اضراب عمال الميكانيك عام 1918
كان عمال الميكانيك هم السباقون في النضالات العمالية المطلبية ، وهم الرعيل الذي هز مطرقته بوجه الاستعمار البريطاني وسطوته المتمثله بالشركات ومنها شركة بيت لنج النهرية . ففي عام 1918 قدم عمال الدوكيادر ( المعمل الذي أنشأته الشركة في العهد العثماني لتصليح البواخر النهرية والزوارق في منطقة شط العرب ) عريضة الى الشركة يطالبون فيها برفع الحيف عنهم وذلك بمساواتهم بالعمال الاجانب من ناحية الاجور والاجازات . الا ان إدارة الشركة المسندة من قبل قوات الاحتلال البريطانية في العراق رفضت تلبية مطاليب العمال العادلة . ورداً على استهتارالشركة اضرب العمال عن العمل إضراباً عفوياً مصرين على تحقيق مطاليبهم . الا ان هذا الاضراب البطولي لم يكتب له النجاح وكسر بقوة السلاح الاستعماري . ومع ذلك فقد حقق هذا الاضراب اشياء لها اهميتها ، وفي مقدمتها تعزيز وحدة العمال وتفهمهم لحقوقهم المشروعة وتعميق وعيهم الطبقيين . وتبرز اهميته أيضاً في انه :
-    حدث في وقت لم يكن يوجد فيه تنظيم سياسي ونقابي للعمال يقود نضالهم الطبقي ولكنهم كانوا على احتكاك مستمر ببعض العمال الاجانب كالهنود والانكليز .
-    قيام العمال بالاضراب في ظل الحكم الاستعماري وفي مشروع اجنبي ، كباكورة عمل نضالي طبقي وذي طابع وطني .

اضراب عمال السكك الحديدية بين عامي 1927 – 1929
كان عمال السكك يمرون بظروف عمل سيئة ، فساعات العمل الطويل كانت تستنفذ كل طاقاتهم تحت الشمس المحرقة صيفاً ، وفي المطر والبرد شتاءاً واجورهم بوجه عام كانت منخفضة وغير كافية لسد تكاليف المعيشة للعمال وعوائلهم ولا تتناسب مع ما يقومون به ويبذلون من جهد في عملهم الشاق . كما وان حياتهم كانت تتعرض باستمرار الى المخاطر الجدية نتيجة الحوادث ومخاطر العمل لانعدام الوسائل الوقائية . ولم يقتصر الامر عليهم فقط بل وعلى اولادهم المحرومين من نور العلم لعدم وجود مدارس في المحطات الممتدة على طول الخط وهذا قليل مما كان يعانيه عمال السكك في ذلك الوقت .
لم يقف عمال السكك تجاه الاوضاع السيئة التي كانوا يعيشونها مكتوفي الايدي بل كانت مذكراتهم ومراجعاتهم ومطاليبهم تترى على المسؤولين في السكك ووزارة الاشغال والمواصلات مطالبة بتحسين اوضاعهم المعاشية ومن اجل حقهم في تنظيم انفسهم في نقابة خاصة بهم .
وفي عام 1927 وازاء ما كان يعانيه العمال من اضطهاد واستغلال وقلة الاجور ومن اجل حقهم في التنظيم قدموا مذكرة تتضمن المطاليب التالية :
-    زيادة الاجور بشكل عام .
-    تخصيص مواد غذائية عينية ( راشن ) .
-    تحديد يوم العمل بثمانية ساعات .
-    المطالبة بالعلاج الطبي المجاني .
-    الموافقة على تأسيس ناد للعمال العراقيين اسوة بالاجانب من الانكليز والهنود .


ولما لم يستجب المسؤولون الاجانب في السكك والمسؤولون الحكوميون لمطاليب العمال ، اعلن اضرابهم التأريخي في 1927 واستطاعوا بفضل وحدتهم وأصرارهم على حقوقهم من ان يحققوا قسماً من مطاليبهم كتحديد ساعات العمل وازالة بعض الحيف عن العمال والعلاج الطبي المجاني .
وفيما بعد وعبر سلسلة من الكفاحات انبثقت الحركة النقابية في السنين التالية ومنها تأسيس جمعية ارباب الصنائع والمهن بعد عامين من الاضراب أي عام 1929  . لقد كان هذا العمل باكورة العمل الاضرابي بالنسبة لعمال السكك وعمال العراق عموماً مما ادى فيما بعد الى ارغام السلطة على سن قانون العمل رقم 72 لعام 1936 .



صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية

نضالات واضرابات عمال المطابع عام 1942 – 1943

في بداية الاربعينات حيث كانت تنتشر التيارات الرجعية والنازية المعاديةلمصالح وافكار الطبقة العاملة ، وحيث يسلط الاهاب على رقاب العمال وسائر ابناء الشعب وتعتبر كل مطالبة بحق من حقوق العمال بينة ادانه بموجب المادة ( 89 أ ) من ذيل قانون العقوبات البغدادي ، سيئة الصيت ، التي سنت بتأثير من الافكار النازية ، يومذاك ، لأنزال اقسى العقوبات بالمناضلين .. خلال تلك الفترة الصعبة بدأ عمال المطابع بالعمل على توحيد صفوفهم للنضال من اجل تحسين اوضاعهم المعاشية السيئة والحد من الاستغلال البشع الذي كانوا يعانونه ولا سيما طول ساعات العمل حيث كانوا يواصلون الليل بالنهار بأجر زهيد ! وكذلك من اجل المطالبة بحقهم في ممارسة النشاط النقابي والسياسي .
عندئذً بدات اللقاءات في المقاهي والمطابع ،وعقدت الاجتماعات في بعض البيوت والحدائق العامة . وفي يوم الجمعة المصادف 30 تشرين الاول عام 1942 أجتمع عدد من عمال المطابع في مقهى ياسين الكائنة في احد مناطق بغداد – شارع ابي نؤاس حالياً – الذي اتخذوه مقراً لهم وللاتصال باكبر عدد ممكن من عمال المطابع تحت ستار لعب النرد – الطاولي – لإبعاد انظار الشرطة عنهم ، وقد اتفق المجتمعون يومذاك على المبادرة الى اعلان الإضراب كأخر وسيلة يمكن اللجوء اليها لنيل مطاليبهم التي دونوها في عرائض . قدمت لجميع اصحاب المطابع وحددت مدة 48 ساعة مهلة لاستجابة مطاليبهم .
في صباح يوم الاثنين المصادف 2 تشرين ثاني 1942 ومع انتهاء مدة الانذار بدأ عمال المطابع بأول اضراب كان له صداه الايجابي في الاوساط العمالية في العراق حيث تعطلت ولأول مرة جميع الصحف الصادرة في بغداد ولم تصدر صبيحة اليوم الثاني من الاضراب سوى صفحة واحدة من جريدة الاهالي ضمنتها تأييدها لحق العمال باللجوء الى اعلان الاضراب كما أبدت استعدادها لتلبية مطاليب عمال المطابع العادلة في تطبيق قانون العمل رقم 72 لسنة 1936 وفي زيادة اجورهم بنسبة 25 % وشمولهم بالعطل الرسمية وتحديد ساعات العمل بثمان ساعات وقد نشرت تلك المطاليب في صدر الجريدة بحروف بارزة .
في اليوم الثاني للاضراب اجيبت المطاليب دون ان يتعرض احد من العمال الى ملاحقة السلطة وذلك بفضل وحدتهم وصمودهم ، كما اخفقت بعدئذ محاولات اصحاب العمل في الاتفاق على الحقوق المكتسبة عن طريق تفريق صفوفهم أو شراء بعض ضعاف النفوس من المحسوبين على العمال  وكان هذا الاضراب فاتحة اضرابات عمالية شملت العديد من المعامل والشركات ومنها اضرابات عمال شركات الغزل والنسيج ، لقد كان لعمال المطابع دور واضح بمختلف الاساليب للاتصال بأكبر عدد ممكن من عمال المهن الاخرى واستغلوا كل المناسبات بما فيها المناسبات الدينية للتعبير عن ارائهم ومنها الاجتماع الذي عقد في جامع الفضل بدعوة من عمال المطابع بمناسبة المولد النبوي الشريف سنة 1943 . فما ان القيت الكلمة الافتتاحية لعمال المطابع بعنوان محمد نبي الكادحين والمعوزين التي كانت تتضمن الدعوة الى اتحاد الطبقة العاملة والحث على المطالبة بحقوقها حتى اعلن القائمون على ادارة الجامع بتحريض من الشرطة ضرورة مغادرة الجامع لمدة ساعة واحدة وبعدها بادروا الى اغلاق ابوابه ، وتجنباً من الدخول في نزاع يسيء الى حرمة المسجد انفض الحاضرون وكان لمسيرهم مظهر مسيرة عمالية رائعة اجتازت محلة الفضل الى باب المعظم .
لقد اصدر عمال المطابع ولاول مرة نشرة بأسم ( صدى العمال ) وذلك في شباط 1943 طبع منها اكثر من 300 نسخة وزعت بين عمال المطابع وعمال المهن الاخرى وكانت النشرة بحجم ثمن جريدة من اربع صفحات وكانت افتتاحيتها بعنوان ( ايها العمال اتحدوا فأن الاتحاد رأسمال الطبقة العاملة ) وبعض الاخبار عن اضرابات عمالية في عدد من اقطار العالم . وكذلك موضوع عن نواقص قانون العمل رقم 72 لسنة 1936 ومن ضمن المواضيع شرح مبسط عن ( اجر العامل بين قيمة القوت وقيمة القوة ) .
هذا وقد صدر عدد واحد من هذه النشرة ولم يتمكن عمال المطابع من طبع العدد الثاني حتى سنة 1946 حبث صدرت الجريدة كنشرة دورية بحجم اكبر ( ربع جريدة ) وبعد صدور العدد الثالث منعت التحقيقات الجنائية بكتاب رسمي : صدور النشرة .

صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية

اضراب عمال السكاير عام 1953

في 6 كانون الاول اضرب عمال شركة دخان جعفر واعتصموا في معملهم لزيادة الاجور وايقاف الاعتداءات من جانب عصابة لالو المفضوحة التي كان اصحاب المعامل يستخدمونها لكسر اضرابات العمال البطولية . وفي اليوم التالي اضرب عمال شركة دخان عبد العزيز لنفس السبب واعتصموا في معملهم ايضاً وكذلك اضراب جميع عمال السكاير اضراباً رمزياً يأييداً لاقرانهم المضربين ، فطوقت الشرطة المعامل وقطعت عن العمال الطعام والمياه ولكن المواطنين ويتعاطفهم مع العمال كانوا يبذلون كل ما في وسعهم لمساعدة العمال الابطال المحاصرين ، وكانت هذه الاضرابات والاعتصامات من الاشكال والطرق الجديدة للحركة العمالية في العراق .
وفي 16 كانون الاول ( اليوم الحادي عشر من الاضراب ) هاجمت الشرطة المعامل بالسلاح واخرجت العمال المعتصمين بعد ان جرحت عدداً منهم واعتقلت عشرات العمال وزجتهم في السجن واغلقت المعامل منذ ذلك اليوم ، كما احتلت نقابة عمال السكاير ، وكان هذا الاضراب ذروة اضراباتهم في عام 1953 ، فقد نشب الاضراب الاول بين عاملات وعمال شركة الدخان الاهلية وعددهم 600 عامل وعاملة في شباط ودام لمدة يومين اعتصم العمال خلالها في معملهم وبالرغم من الاحكام العرفية المعلنة في القطر انتزعوا الاعتراف بلجنتهم النقابية رغم غلق نقابتهم من قبل المجلس العرفي واضربوا ثانية في 19 آب مطالبين بفتح نقابتهم وعدم فصل اللجنة النقابية ووقف تدخلات الشرطة وزيادة اجورهم وانتهى الاضراب بعد منتصف الليل بعد تعهد وزير الشؤون الاجتماعية بالاستجابة لمطاليبهم ، وبعد ان نكث الوزير بوعده عاد العمال للاضراب بعد يومين في ىب واعتصموا في معملهم وطوقتهم الشرطة وقطعت عنهم كل شيىء ، الماء والطعام ولكن بعد يومين فقط فازوا وحققوا مطاليبهم ومن بينها مطلب حيوي ومهم ومشترك وهو وضع حد أدنى لاجور عمال السكاير جميعاً .
واضرب عمال شركة دخان الرافدين تأييداً لهذا الاضراب ، وفي 14 ايلول 1953 اضرب عمال السكاير اضراباً عاماً واعتصموا في معاملهم ودام الاضراب ( 5 ) ايام طوقتهم الشرطة ايضاً خلالها وقطعت عنهم الماء والطعام وكان الاضراب احتجاجاً على سلب مكاسب عمال السكاير .
ان لعمال السكاير ونقابتهم آنذاك دور اساسي في نشر الوعي السياسي والنقابي والمطلبي ، حبث كانوا على درجة من الوعي الفكري بحيث كانت الحكومة تحسب لهم الف حساب ، وانهم لعبوا دوراً وطنياً مهماً بتشجيع قطاعات كبيرة من العمال على المطالبة بحقوقهم وتقديم المذكرات المطلبية والاحتجاجية لنيل مكاسبهم العمالية .

سلام السوداني


صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية

اضراب عمال النسيج عام 1941
لقد كان عمال النسيج كبقية العمال في القطاعات الاخرى يعيشون في ظروف عمل شاقة وبأجور متدنية ويعانون من التجاوزات بل والاعتداءات المستمرة من ارباب العمل وجلاوزتهم . وكان العامل يتعرض الى الطرد الكيفي لمجرد عدم ارتياح رب العمل منه أو لمطالبته ببعض حقوقه وحتى البسيطة منها . وكانت نضالات عمال الغزل والنسيج قبل هذه الفترة ذات طابع فردي وعفوي لانعدام التنظيم السياسي والنقابي بينهم ، الا انه بالارتباط مع عوامل عديدة منها ادخال الاله وتجمع العمال في معامل كبيرة ونمو الوعي الطبقي العام لدى العمال اخذت تبرز معالم جديدة في نضالاتهم تواكب ذلك التطور منعكسة على تلك النضالات التي تحولت الى معارك مطلبية جماعية ومنظمة .
لقد كانت مطاليب عمال الغزل والنسيج في معمل ( نوري فتاح ) واضحة امام اعين العمال ، وكانوا ينتظرون الوقت الملائم لخوض معركة من اجل تحقيق تلك المطاليب العادلة . وجاءت الساعة المناسبة في احد ايام سنة 1941 عندما اخذ احد الاسطوات المسخرين من قبل رب العمل بالتجاوز على عدد من العمال في احدى اقسام المعمل ، مستخدماً الالفاظ البذيئة والاهانات . وما كان من عمال ذلك القسم الا ان يرفضوا الاستمرار في العمل ويبلغوا اخوانهم في الاقسام الاخرى بالامر واندفع العمال جميعاً الى اعلان الاضراب احتجاجاً على الاعتداءات المتكررة من رب العمل وجلاوزته ومطالبين بوضع حد لتلك التجاوزات وارفقوا بهذه المطاليب الملحة مطاليب اخرى منها زيادة اجورهم وتحسين ظروف عملهم والكف عن الطرد الكيفي . واجتمعت كلمة العمال على ايقاف العمل في المعمل لحين تلبية مطاليبهم .. ودام الاضراب ثلاثة ايام ، ونتيجة اصرارهم على حقوقهم العادلة وتضامن اخوانهم عمال الغزل والنسيج في المعامل الاخرى معهم ، استجيبت معظم مطاليبهم .. اما فيما يخص الاسطى المسخر فاكتفى رب العمل بان يقطع من راتبه اجرة ثلاثة ايام بعد ان قدم اعتذاره الى العمال .






صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية
اضراب عمال الميناء سنة 1936

كانت اوضاع طبقتنا العاملة وبضمنهم عمال الميناء سنة 1936 صعبة وقاسية للغاية . حيث كانت اجور العامل لا تزيد عن 14 فلساً مع " حفنة تمر " ومن النوعية الرديئة كما انهم كانوا يشتغلون 12 ساعة يومياً ، ولا تحتسب لهم الساعات الاضافية . وكانوا محرومين من العلاج الطبي وكذلك محرومين عن حالات الاصابة اثناء العمل الذي كانت كثيرة بسبب عدم توفر مستلزمات السلامة والصيانة .. وهكذا كان حال عمالنا في ارصفة المعقل تحت دكتاتورية فرعون الميناء الكولونيل العجوز " وورد " ممثلاً عن حكومة بريطانيا العظمى . ورغم اساليب الارهاب والمكر واستغلال الفقر والجوع لارغام العمال على الخضوع للامر الواقع . لم يرضخ عمالنا البواسل في الميناء لهذا الامر القاسي وبدأوا بالمطالبة بأنصافهم وتلبية حقوقهم العادلة ، الا ان ادارة الميناء كانت تقف ضد مطاليب وحقوق العمال وفي مقدمتها زيادة الاجور وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات في اليوم ، احتساب العطل الرسمية ايام عمل مدفوعة الاجر ، تحديد الاجازات الاعتيادية والمرضية ، الكف عن الفصل الكيفي ، المعالجة الطبية والتعويض عن اصابات العمل . وبسبب تعنت وتجاهل ادارة الميناء لهذه المطاليب اعلن العمال اضرابهم الجرىء عام 1936 . بعد ان ارسلوا برقية الى المسؤولين في بغداد . وكان حكمت سليمان رئيساً للوزراء انذاك . لقد قادت الاضرابات طليعة ثورية واعية من العمال وعلى رأسهم العامل ( جميل جبوري ) . وبدأ الاضراب بتجمع العمال امام بوابة الارصفة وهم يرددون الهوسات الشعبية ويطالبون بتلبية مطاليبهم المذكورة اعلاه . وعندما كان العمال مجتمعين مر قطار في الارصفة محملاً بالبضائع كمحاولة من ادارة الميناء لتحدي العمال . فما كان من العمال المتجمهرين الا ان استوقفوا القطار وصعد العامل الشجاع ( جميل ) حاملاً مطرقته فأنزل سائق القطار معلناً بدء الاضراب لحين تلبية مطاليبهم . وعندما سمع المسؤولين في بغداد بأخبار الاضراب سارعوا الى انتداب وزير الاقتصاد انذاك ، المرحوم كامل الدارجي للتفاوض مع العمال وحل مشكلتهم . وبعد مفاوضات طويلة بين ممثلي العمال والمسؤولين في الميناء والسلطة وامام إصرار العمال على مطاليبهم ، اقرت معظم مطاليبهم وفي مقدمتها زيادة اجرة العامل من 14 فلساً الى 40 فلساً في اليوم . ورغم موجة الفصل والتنكيل التي تعرض لها العمال النشطون بعد الاضراب واحالة العامل الشجاع ( جميل ) الى المحكمة بتهمة ( تهديد بعض العمال وأكراههم على المشاركة في الاضراب ) مستغلين إقالة وزارة حكمت سليمان فقد باءت بالفشل  بفضل وحدة العمال وتضامنهم الاخوي .





اضراب عمال السكاير عام 1942
نتيجة الاوضاع الاقتصادية المتردية التي كان يعيشها عمالنا في قطاع السكاير ، وسوء المعاملة وظروف العمل الشاقة وفرض العمل عليهم بالقطعة وعدم تطبيق ما نص عليه قانون العمل رقم 72 لسنة 1936 من مكاسب على محدوديتها اضافة الى تجاهل اصحاب العمل لكل محاولات العمال وصيحاتهم من اجل تحسين اوضاعهم المعاشية وظروف العمل من خلال الاتصالات والمفاوضات . نتيجة لكل ذلك شهر العمال سلاحهم المجرب ( الاضراب ) بعد ان بلوروا مطاليبهم الواضحة والعادلة في مذكرة قدموها الى ادارة معملي شركة الدخان العراقية ومعمل محمد طيب  للدخان . لقد دام الاضراب اربعة ايام تجلت فيها وحدة العمال باروع اشكالها ، وكذلك صمودهم واصرارهم على تحقيق مطاليبهم ، كما وحظي الاضراب بتأييد بقية عمال السكاير وبعض القطاعات العمالية الاخرى . وقد تحققت معظم مطاليبهم بأستثناء مسألة العمل على اساس القطعة الذي بقي كما كان . ولاضراب عمال السكاير سنة 1942 ميزة خاصة عما سبقه من الاضرابات العمالية الا وهي الاعتصام داخل المعمل . ولقد خدم هذا الاسلوب من النضال في تعزيز معنويات العمال واصرارهم على مواصلة الاضراب ، والحيلولة دون كسره . وهكذا سجل عمال السكاير الابطال اول اضراب منظم لهم ، كما ادخلوا اسلوباً جديداً في النضال العمالي الطبقي في العراق اضافوه الى امجاد طبقتنا العاملة المجيدة .


صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية
اضراب عمال الميناء سنة 1936

كانت اوضاع طبقتنا العاملة وبضمنهم عمال الميناء سنة 1936 صعبة وقاسية للغاية . حيث كانت اجور العامل لا تزيد عن 14 فلساً مع " حفنة تمر " ومن النوعية الرديئة كما انهم كانوا يشتغلون 12 ساعة يومياً ، ولا تحتسب لهم الساعات الاضافية . وكانوا محرومين من العلاج الطبي وكذلك محرومين عن حالات الاصابة اثناء العمل الذي كانت كثيرة بسبب عدم توفر مستلزمات السلامة والصيانة .. وهكذا كان حال عمالنا في ارصفة المعقل تحت دكتاتورية فرعون الميناء الكولونيل العجوز " وورد " ممثلاً عن حكومة بريطانيا العظمى . ورغم اساليب الارهاب والمكر واستغلال الفقر والجوع لارغام العمال على الخضوع للامر الواقع . لم يرضخ عمالنا البواسل في الميناء لهذا الامر القاسي وبدأوا بالمطالبة بأنصافهم وتلبية حقوقهم العادلة ، الا ان ادارة الميناء كانت تقف ضد مطاليب وحقوق العمال وفي مقدمتها زيادة الاجور وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات في اليوم ، احتساب العطل الرسمية ايام عمل مدفوعة الاجر ، تحديد الاجازات الاعتيادية والمرضية ، الكف عن الفصل الكيفي ، المعالجة الطبية والتعويض عن اصابات العمل . وبسبب تعنت وتجاهل ادارة الميناء لهذه المطاليب اعلن العمال اضرابهم الجرىء عام 1936 . بعد ان ارسلوا برقية الى المسؤولين في بغداد . وكان حكمت سليمان رئيساً للوزراء انذاك . لقد قادت الاضرابات طليعة ثورية واعية من العمال وعلى رأسهم العامل ( جميل جبوري ) . وبدأ الاضراب بتجمع العمال امام بوابة الارصفة وهم يرددون الهوسات الشعبية ويطالبون بتلبية مطاليبهم المذكورة اعلاه . وعندما كان العمال مجتمعين مر قطار في الارصفة محملاً بالبضائع كمحاولة من ادارة الميناء لتحدي العمال . فما كان من العمال المتجمهرين الا ان استوقفوا القطار وصعد العامل الشجاع ( جميل ) حاملاً مطرقته فأنزل سائق القطار معلناً بدء الاضراب لحين تلبية مطاليبهم . وعندما سمع المسؤولين في بغداد بأخبار الاضراب سارعوا الى انتداب وزير الاقتصاد انذاك ، المرحوم كامل الدارجي للتفاوض مع العمال وحل مشكلتهم . وبعد مفاوضات طويلة بين ممثلي العمال والمسؤولين في الميناء والسلطة وامام إصرار العمال على مطاليبهم ، اقرت معظم مطاليبهم وفي مقدمتها زيادة اجرة العامل من 14 فلساً الى 40 فلساً في اليوم . ورغم موجة الفصل والتنكيل التي تعرض لها العمال النشطون بعد الاضراب واحالة العامل الشجاع ( جميل ) الى المحكمة بتهمة ( تهديد بعض العمال وأكراههم على المشاركة في الاضراب ) مستغلين إقالة وزارة حكمت سليمان فقد باءت بالفشل  بفضل وحدة العمال وتضامنهم الاخوي .




صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية
إضراب عمال البرق والبريد في بغداد سنة 1946

بنتيجة انتهاء احرب العالمية الثانية واندحار الفاشية اجتاح العراق كما هو حال بقية الاقطار المضطهدة مد جماهيري ثوري يستهدف الحصول على الاستقلال والسيادة الوطنية والعيش الكريم للشعب الذي استبيحت حرماته واستغلت خيراته وموارده ابشع استغلال من جانب الاستعمار والرجعية والاقطاع . ولعبت طبقتنا العاملة العراقية دورا متميزا في ذلك ومن اجل حقوقها وفي اعوام 1944 ، 1945 ، 1946 خاضت العديد من النضالات والاضرابات الجبارة تحت شعار – الخبز والحرية – من اجل تحسن اوضاعها المعاشية والحد من استغلالها البشع من اجل حقها في النشاط النقابي والسياسي العلني . وبرزت حركة نقابية جهادية ذات قاعدة جماهيرية واسعة وراسخة بمحتوى طبقي عميق ونهج كفاحي ثابت . وكانت تقود معظم منظماتها النقابيه العلنية منها والسرية عناصر وهيئات مجاهدة ومدركة لمسؤليتها الطبقية .
في مثل هذه الظروف بالذات بلور عمال البرق والبريد في بغداد مطالبهم العديدة والتي كان ابرزها زيادة الاجور ، وتحسين الظروف المعاشية ، والكف عن الطرد الكيفي ... الخ ... وبدأوا بحمله واسعة من النضالات من اجل تحقيقها .
ولما فشلت محاولات العمال اعلنوا الاضراب . ودام الاضراب حوالي الاسبوع شلت خلاله اعمال البرق والبريد ببغداد واحاء العراق . وشنت السلطة حمله اعتقالات ولجات الى تشغيل افراد من الجيش بدلا منهم كما كانت تعتقل وتجبرهم على العمل تحت حراسة الشرطة . ولكن كل هذه الاساليب اخفقت في كسر عزيمة العمال واصرارهم على الاستمرار في اضرابهم لحين تحقيق مطالبهم العادلة وقد ابدت الجامهير الشعبية تاييدها لمطاليب العمال .
واما صمود العمال اضطرت السلطات الى تلبية قسم من مطاليب العمال المضربي وعاد العمال بعدها الى العمل ولكنهم فوجئوا بعد ايام باغاء نقابتهم المجاهدة واعتقال قسم من العمال والنقابين النشطين  .




اضراب عمال السكك الحديدية عام 1945

بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها شهدت حركتنا النقابية والعمالية عموما تصاعدا في نضالاتها التي تفاعلت عضويا مع تصاعد نضالات الحركة الوطنية العامة وذلك من اجل تحسين اوضاع الطبقة العاملة المعاشية والحد من الاستغلال  البشع الذي تعانيه من اجل حقها في النشاط النقابي والسياسي العلني ..
وفي الفترة ما بين عام 1944 – 1945 استطاع عمالنا من فرض تنظيمهم النقابي العلني ، واضطرت السلطات ، تحت ضغط عوامل عديدة داخلية وخارجية ، على الرضوخ لبعض مطاليب شعبنا وطبقتنا العاملة ومنها اجازة سته عشر نقابة عمالية في بغداد والبصرة والعمارة . وفتحت هذه النقابات فروعا لها في الموصل وكركوك وكان من ابرز وانشط النقابات المجازة نقابه السكك .
لقد استغل عمالنا في السكك الظرف الجديد وبلوروا مطاليبهم في تطبيق قانون العمال وزيادة الاجور  وتحسين احوالهم المعيشية ورفع التعسف والاضطهاد عنهم وغيرها من المطاليب وعملوا من اجل تحقيقها .
ولما لم يجد اسلوب التفاوض مع مديرية السكك في حل مشاكلهم ومطاليبهم التجا العمال الى الاضراب العام .
كان الاضراب شاملا فلجات السلطة بايعاز مديرية السكك الى اعتقال قادة الاضراب، فاضراب السكك بالنسبة لها كان يعني من جملة ما يعنيه ايقاف احد الشرايين الحيوية في البلاد ، فضلا عن ان هذا المشروع من المشاريع التي اهتمت الطليعة الثورية بتركيز قواها منذ البداية . فلا عجب والحاله هذه ان تبرز من وقت لاخر سلسلة من الاضرابات التي كانت تهز اركان الحكومات العميلة المتعاقبة في العراق .
من جملة من تعرض للاعتقال رئيس النقابه انذاك النقابي المعروف علي شكر وحجزت  دار النقابة وهدمت صرائف العمال المضربين وطردت العوائل التي كانت قريبة من منطقة الشالجية بعد قطع الماء عنها واطلقت موجة ارهابية شنيعة ضد عمال السكك .
بالر غم من كل ذلك فالاضراب استمر ولاقى تاييدا واسعا من الاوساط الجماهيرية والعمالية وجرت بعض الاضرابات التضامنية من بعض القطاعات العمالية الاخرى . ولما كانت النقابه المجاهدة هي التي تقود النضال فان السلطة الرجعية عمدت الى الغائها وغلقها . استمر الاضراب 21 يوما وبعد مفاوضة بين العمال وادارة السكك اضطرت الادارة الى تلبية بعض المطاليب وعاد العمال الى العمل .
ولكن ادارة السكك التي كانت تدار مباشرة من قبل قوات الاحتلال  الانكليزي شنت هجوما على القادة النقابين والعمال فتم فصل رئيس النقابه وعدد من العمال النقابين النشطين .
ولجا مدير السكك الانكليزي الجنرال سمث بالتعاون مع السلطات العراقية الى تشكيل اللجان المختلطة ، المعروفة باللجان السيئة الصيت ، كبديل  للتنظيم النقابي .. واريد بهذه اللجان في الحقيقة السيطرة على العمال واذلالهم وتزييف ارادتهم وسحق تنظيمهم النقابي الحر . وقد رفضها العمال رفضا باتا وناضلوا ضدها ولجا العمال ثانية الى الاضراب ضد هذه التشكيلة المزيفة الهزيلة وواصلوا اضرابهم الذي استمر لعدة ايام تحت شعار (( فتح نقاباتهم المجاهدة واعادة قادتهم الى العمل )) وقد لاقى نضال عمال السكك الابطال مساندة الجماهير والمنظمات السياسية والصحف الوطنية مما اضطر الحكومة الى ان تعيد النظر بشان هذه اللجان التي ولدت وهي ميتة .. فكان ان رضخ مدير السكك الجنرال العجوز لارادة العمال واجرى استفتاء بين العمال للتعبير عن رايهم بشان النقابه واللجان المختلطة وكانت نتيجة الاستفتاء ان صوتوا الاف العمال في الشالجية مع بقاء نقاباتهم المجاهدة مقابل 87 صوتا فقط مع تشكيل لجان سمث المختلطة .
وبالرغم من ان عمال السكك لم يستطيعوا من فتح نقاباتهم المجاهدة الا انهم استطاعوا بوحدتهم الفولاذيه ووعيهم الطبقي من ان يقبروا لجان سمث ويعيدوا قادة نقاباتهم المجاهدة الى العمل بالاضافة الى تحقيق بعض من مطالبهم الاخرى .


في ذكرى انتفاضة تشرين الثاني 1952 المجيدة
دور تأريخي للطبقة العاملة العراقية

تصور الحكام الملكيون انهم بأرهابهم الدموي في أعقاب وثبة كانون 1948 عن طريق استغلالهم لحرب فلسطين في مايس 1948 لاعلان الاحكام العرفية والتنكيل بالقوى الديمقراطية ، وملء سجونهم بكوادر الحزب الشيوعي وجمهرة كبيرة من اعضائه ومن العناصر الديمقراطية التقدمية ، واصدار احكام الموت شنقاً بحق قادة الحزب الشيوعي ، تصوروا انهم يستطيعون بذلك القضاء على حركة شعبنا الوطنية وتخليد حكمهم الرجعي العميل .
لكن الواقع النضالي لشعبنا كذب تصوراتهم الخرقاء ، فما ان بدأت سنة 1952 حتى ارتفعت وتيرة النضالات الشعبية الجماهيرية .. المظاهرات الجماهيرية تخلد ذكرى وثبة كانون المجيدة ، العمال يقومون بالاضرابات في بغداد والحبانية والشعيبة وغيرها ، الطلبة يوسعون نشاطاتهم الوطنية واضراباتهم الشاملة ، الفلاحون يتحركون للمطالبة بالارض وبقسمة منصفة للحاصل ، حركة انصار السلام تلف اوساطاً شعبية واسعة ، الاحزاب الوطنية العلنية تستعيد نشاطها بفعالية ، الصحافة الوطنية تعكس نضالات الجماهير وتفضح الحكم ومشاريع اقطابه وتقدم المذكرات السياسية الى البلاط .. الزمرة الحاكمة تحس بالعزلة وتشعر بعجز اساليبها من كبح جماح الجماهير الشعبية ومطاليبها العادلة فتلجأ للمناورة والخداع لتضليل الجماهير .
ولم تكن حركة شعبنا الوطنية يومذاك منعزلة عن تطورات الوضع في العالم وفي المنطقة خصوصاً ، حيث هب الشعب الايراني وأمم شركة النفط الانكلو ايرانية ، واشتد نضال الشعب المصري والغيت معاهدة 1936 واسقطت الملكية في مصر في تموز 1952.
لعبت الطبقة العاملة العراقية دوراً كبيراً في التهيئة والمشاركة في الانتفاضة المجيدة رغم المحنة ورغم الارهاب ، الا ان العمال الشيوعيون لم يتركوا ساحة النضال ومقاومة الاستغلال . فقادوا في الميناء اضراب عمال بواخر الحفر في اواخر عام 1949 حيث اضرب اكثر من 600 عامل لمدة ثلاثة ايام ونال العمال مطاليبهم .واضراب عمال شركة نفط البصرة في شباط 1950 حيث اضرب (1000)عامل لمدة ثلاثة ايام نالوا على اثرها جميع مطاليبهم كما اضرب في آب 1950 (350 )عامل في شركة كري مكنزي في البصرة ( الدوكيارد) لمدة تسعة ايام وفازوا بمطاليبهم ولم تقتصر الحركة الاضرابية على البصرة فقد قاد الشيوعيون اضراب عمال شركة الغزل والنسيج العراقية في بغداد ودام الاضراب 12 يوماً واستطاع العمال فرض نقابتهم في التفاوض عنهم وفازوا بألغاء نظام العمل بالقطعة ومع زيادة (50)فلساً في الاجرة اليومية .. فقامت الحكومة بأحراق مقر النقابة انتقاماً منهم .
وهكذا بدأت الحركة الاضرابية تنتعش مع انتعاش تنظيمات الحزب الشيوعي وتوطيد كيانه من جديد .. واستطاع العمال الشيوعيون من تشكيل مكتب النقابات الدائم وفرضه كممثل للعمال وانتعشت الحركة النقابية في سنة 1951 وتصاعدت الحركة الاضرابية عبر سلسلة من الاضرابات في مواقع العمل المختلفة .
ان مكتب النقابات الدائم الذي اسسه العمال بمبادرة الشيوعيين في سنة 1951 لعب دوراً ملحوظا ًفي انعاش الحركة النقابية وقيادة نضال العمال النقابي ، لذا لم تغمض السلطة عن هذا النشاط فوجهت حملة جديدة ضده فأغلقت بعض النقابات ومكتب النقابات الدائم في خريف تلك السنة ولم يمض على تأسيسه سوى بضعة أشهر وأصدرت بياناً رسمياً في 10 كانون الاول 1951 بغلق المكتب الدائم لمجلس نقابات العمال المؤلف من بعض النقابات على اساس انه غير مجاز قانوناً وقررت اجراء التعقيبات القانونية ضد القائمين بأدارته .
وفي سنة 1952 انتعشت الحركة العمالية اكثر وتميزت بطابع مقاومة العنف المسلح واراقة الدماء الذي استخدم من قبل السلطات ضد العمال المضربين .. ففي حزيران 1952 قاد الشيوعيون اضراب العمال العراقيين في قاعدة الحبانية الحربية ، فأقامت لهم الجيوش البريطانية المحتلة مجزرة دموية لأنهاء الاضراب فقتل في هذه الجزرة عامل عراقي وجرح عدد كبير من العمال وأبعد ( 4 ) عمال عن العراق . وفي نفس الشهر أضرب ( 900) عامل لمدة ثلاثة ايام في القاعدة البريطانية في الشعيبة في المعقل ، وفي 32 آب 1952 أضرب ( 3000 ) عامل في الميناء لمدة ثلاثة ايام مطالبين بزيادة الاجور وايقاف الفصل الكيفي والانتهاكات وتحسين شروط العمل وتوفير المستلزمات الصحية للعمال ووسائط النقل .
من الملاحظ ان هذه الاضرابات الدامية قد جرت في مشاريع كانت تحت سيطرة المحتلين كما جرت اضرابات اخرى في سنة 1952 منها اضراب ( 600 ) عامل في شركة الدخان الاهلية . اعتصم العمال خلاله في المعمل ، ولكن أهم اضرابات 1952 هو الاضراب السياسي الذي قام به العمال خلال انتفاضة تشرين ( 22 – 24 ) تشرين الثاني وكان لهم الدور البارز في التهيئة للانتفاضة والمساهمة فيها .
كانت انتفاضة تشرين في تتابع احداثها العاصف وفي عنفها أشبه بالاعصار الذي لم يترك لأحد فرصة للتسويف أو التردد . ان جماهير الانتفاضة هي ذاتها التي خاضت غمار " الوثبة " قبل اربع سنوات وهزمت حكومة صالح جبر رغم ما واجهت من رصاص ، وإن من يقودها ، فعلاً ، في الشارع كانوا شباباً شيوعيين قاسوا الأمرين من اضطهاد الشرطة ومطارداتها ، ويضمرون للحكم وأسياده المستعمرين حقداً دفيناً ويتحينون الفرصة للثأر للشهداء الاماجد الذين ذهبوا ضحية الارهاب الرجعي . وبهذا مهدت الحركة النقابية العمالية الفتية الطريق لمواصلة النضال ومواجهة التحديات عبر المشاركة الفاعلة في جميع انتفاضات ونشاطات شعبنا الوطنية من اجل الخلاص من الحكام المعادين لوطننا وشعبنا .


    حياة العمال


في ذكرى تأسيس نقابة عمال السكك
الحديدية العراقية

قبل ثلاث وستون عاماً ، في السابع من تشرين الثاني عام 1944 انعقد المؤتمر الاول لنقابة عمال السكك الحديدية العراقية . لقد عبر النقابيون الاوائل في كلماتهم التي القيت في المؤتمر عن ادراكهم لأهمية ما يقومون به ليس بالنسبة لعمال السكك فحسب ، بل بالنيبة للطبقة العاملة العراقية بأسرها . وأكدوا أن النقابة هي في النهاي ملك للعمال . وبرغم أنهم كانوا يخوضون تجربتهم الاولى في التنظيم النقابي ، الا انهم مارسوا طرازاً عالياً من الديمقراطية والتنظيم داخل مؤتمرهم .                                                                                        
ففي بيت أحد عمال السكك في علاوي الحلة أجتمع ما يقارب مائة عامل سكك ، ( 64 ) اعضاء الهيئة المؤسسة وعدد آخر من العمال أنتخبوا هيئة تحضيرية من ( 7 ) عمال . كان على الهيئة التحضيرية أن تُحضر للمؤتمر .                                                                                                                           
أستأجرت داراً في علاوي الحلة ، نظمت سجلات ، وشرعت في اجراء انتخابات اللجان في مختلف أقسام السكك .                                                                                                                             
في السابع من تشرين الثاني كان ثمة حركة غير اعتيادية في معامل السكك . بعض العمال طلبوا اجازات ، آخرون لم يستطيعوا . وكان بأمكان الذين يمرون قرب الكازينوا الذي ينحدر اليه جسر الاحرار ان يلاحظوا شعارات تتحدث عن عمال السكك ، عن عمال العراق ، عن عمال العالم ، والذين وقفوا يتساءلون عرفوا انه ثمة مؤتمر لعمال السكك .                                                                                                       
وبعد أن تحدث الراحل علي شكر بأعتباره رئيس الهيئة التحضيرية بالتفصيل عن مشاكل عمال السكك وعن المشاكل الخاصة بكل مشروع وبرنامج النقابة لحل هذه المشاكل يختتم الكلمة (( أيها الاخوان أعضاء المؤتمر : هذا هو تقريري عن أتجاه النقابة أرفعه اليكم لبحثه ومناقشته ، ومن ثم وضعه في التصويت ، فأذا ما أقررتموه أصبح منهاجاً للهيئة الادارية ولجميع منظمات نقابتنا التنفيذية خلال مؤتمرنا هذا والمؤتمر الثاني . هذا وأختتم كلمتي بتهنئة عمال السكك بأنعقاد مؤتمرنا الاول . فليحيى عمال السكك العراقية . ولتحيى الطبقة العاملة العراقية . وليحيى الوطن العراقي حراً معززاً )) .                                                               
بعد ذلك أقر المؤتمر النظام الداخلي وأنتخب ( 8 ) أعضاء الهيئة الادارية من : علي شكر ، عبود حمزة ، عبد الوهاب ناجي ، احمد سلمان ، سيد خليل وغيرهم .                                                                        
وبدأ بهذا مرحلة جديدة من تأريخ الحركة النقابية العراقية وعلى أسس جديدة من التنظيم الطبقي العمالي الحديث .   



في ذكرى انتفاضة تشرين الثاني 1952 المجيدة
دور تأريخي للطبقة العاملة العراقية

تصور الحكام الملكيون انهم بأرهابهم الدموي في أعقاب وثبة كانون 1948 عن طريق استغلالهم لحرب فلسطين في مايس 1948 لاعلان الاحكام العرفية والتنكيل بالقوى الديمقراطية ، وملء سجونهم بكوادر الحزب الشيوعي وجمهرة كبيرة من اعضائه ومن العناصر الديمقراطية التقدمية ، واصدار احكام الموت شنقاً بحق قادة الحزب الشيوعي ، تصوروا انهم يستطيعون بذلك القضاء على حركة شعبنا الوطنية وتخليد حكمهم الرجعي العميل .
لكن الواقع النضالي لشعبنا كذب تصوراتهم الخرقاء ، فما ان بدأت سنة 1952 حتى ارتفعت وتيرة النضالات الشعبية الجماهيرية .. المظاهرات الجماهيرية تخلد ذكرى وثبة كانون المجيدة ، العمال يقومون بالاضرابات في بغداد والحبانية والشعيبة وغيرها ، الطلبة يوسعون نشاطاتهم الوطنية واضراباتهم الشاملة ، الفلاحون يتحركون للمطالبة بالارض وبقسمة منصفة للحاصل ، حركة انصار السلام تلف اوساطاً شعبية واسعة ، الاحزاب الوطنية العلنية تستعيد نشاطها بفعالية ، الصحافة الوطنية تعكس نضالات الجماهير وتفضح الحكم ومشاريع اقطابه وتقدم المذكرات السياسية الى البلاط .. الزمرة الحاكمة تحس بالعزلة وتشعر بعجز اساليبها من كبح جماح الجماهير الشعبية ومطاليبها العادلة فتلجأ للمناورة والخداع لتضليل الجماهير .
لعبت الطبقة العاملة العراقية دوراً كبيراً في التهيئة والمشاركة في الانتفاضة المجيدة رغم المحنة ورغم الارهاب ، الا ان العمال الشيوعيون لم يتركوا ساحة النضال ومقاومة الاستغلال . فقادوا في الميناء اضراب عمال بواخر الحفر في اواخر عام 1949 حيث اضرب اكثر من 600 عامل لمدة ثلاثة ايام ونال العمال مطاليبهم .واضراب عمال شركة نفط البصرة في شباط 1950 حيث اضرب (1000)عامل لمدة ثلاثة ايام نالوا على اثرها جميع مطاليبهم كما اضرب في آب 1950 (350 )عامل في شركة كري مكنزي في البصرة ( الدوكيارد) لمدة تسعة ايام وفازوا بمطاليبهم ولم تقتصر الحركة الاضرابية على البصرة فقد قاد الشيوعيون اضراب عمال شركة الغزل والنسيج العراقية في بغداد ودام الاضراب 12 يوماً واستطاع العمال فرض نقابتهم في التفاوض عنهم وفازوا بألغاء نظام العمل بالقطعة ومع زيادة (50)فلساً في الاجرة اليومية .. فقامت الحكومة بأحراق مقر النقابة انتقاماً منهم .
وهكذا بدأت الحركة الاضرابية تنتعش مع انتعاش تنظيمات الحزب الشيوعي وتوطيد كيانه من جديد .. واستطاع العمال الشيوعيون من تشكيل مكتب النقابات الدائم وفرضه كممثل للعمال وانتعشت الحركة النقابية في سنة 1951 وتصاعدت الحركة الاضرابية عبر سلسلة من الاضرابات في مواقع العمل المختلفة .
ان مكتب النقابات الدائم الذي اسسه العمال بمبادرة الشيوعيين في سنة 1951 لعب دوراً ملحوظا ًفي انعاش الحركة النقابية وقيادة نضال العمال النقابي ، لذا لم تغمض السلطة عن هذا النشاط فوجهت حملة جديدة ضده فأغلقت بعض النقابات ومكتب النقابات الدائم في خريف تلك السنة ولم يمض على تأسيسه سوى بضعة أشهر وأصدرت بياناً رسمياً في 10 كانون الاول 1951 بغلق المكتب الدائم لمجلس نقابات العمال المؤلف من بعض النقابات على اساس انه غير مجاز قانوناً وقررت اجراء التعقيبات القانونية ضد القائمين بأدارته .
وفي سنة 1952 انتعشت الحركة العمالية اكثر وتميزت بطابع مقاومة العنف المسلح واراقة الدماء الذي استخدم من قبل السلطات ضد العمال المضربين .. ففي حزيران 1952 قاد الشيوعيون اضراب العمال العراقيين في قاعدة الحبانية الحربية ، فأقامت لهم الجيوش البريطانية المحتلة مجزرة دموية لأنهاء الاضراب فقتل في هذه الجزرة عامل عراقي وجرح عدد كبير من العمال وأبعد ( 4 ) عمال عن العراق . وفي نفس الشهر أضرب ( 900) عامل لمدة ثلاثة ايام في القاعدة البريطانية في الشعيبة في المعقل ، وفي 32 آب 1952 أضرب ( 3000 ) عامل في الميناء لمدة ثلاثة ايام مطالبين بزيادة الاجور وايقاف الفصل الكيفي والانتهاكات وتحسين شروط العمل وتوفير المستلزمات الصحية للعمال ووسائط النقل .
من الملاحظ ان هذه الاضرابات الدامية قد جرت في مشاريع كانت تحت سيطرة المحتلين كما جرت اضرابات اخرى في سنة 1952 منها اضراب ( 600 ) عامل في شركة الدخان الاهلية . اعتصم العمال خلاله في المعمل ، ولكن أهم اضرابات 1952 هو الاضراب السياسي الذي قام به العمال خلال انتفاضة تشرين ( 22 – 24 ) تشرين الثاني وكان لهم الدور البارز في التهيئة للانتفاضة والمساهمة فيها .
بهذا مهدت الحركة النقابية العمالية الفتية الطريق لمواصلة النضال ومواجهة التحديات عبر المشاركة الفاعلة في جميع انتفاضات ونشاطات شعبنا الوطنية من اجل الخلاص من الحكام المعادين لوطننا وشعبنا .




إضراب عمال النفط في البصرة في كانون الاول عام 1953

بدأت الاتصالات والمشاورات بين عمال شركة نفط البصرة قبل فترة طويلة من إعلان الاضراب وذلك لبلورة مطاليبهم ومن أجل وضع حد للاجراءات التعسفية للشركة الاستعمارية .
بعد ذلك قدموا مطاليبهم العادلة للشركة التي رفضت تحقيقها . وعند ذاك وجه العمال بتاريخ 3 كانون الاول 1953 إنذاراً للشركة ضمنوه هذه المطالب والمتلخصة ب :
1-    زيادة عامة في الاجور بمقدار 10% .
2-    توفير سيارات مريحة لنقل العمال .
3-    توفير أدوات عمل وأدوات صيانة .
4-    منح بدل إيجار للعمال ويبلغ ثلاثة دنانير .
5-    الكف عن الاهانات والطرد الكيفي وإعادة المفصولين في إضراب عام 1951 .
6-    اجازة النقابة . وأصبح هذا المطلب هو المطلب الرئيسي للعمال .
بدأ الاضراب بتحرك العمال في الزبير البالغ عددهم ألف عامل حيث ركبوا السيارات متوجهين الى البصرة . وعند وصولهم تجمعوا في الساحة المقابلة لمقر الشركة حيث التحق هم عمال " المكينة " والادارة .
في اليوم الثاني التحق بالاضراب عمال الفاو . وبذلك أصبح الاضراب شاملاً .
في اليوم الثالث توجه وفد من المضربين للتفاوض مع إدارة الشركة حول مطاليبهم ، إلا أن الشركة رفضت ذلك بعجرفة ، وعند ذاك حاولوا مقابلة المتصرف الذي رفض بدوره مقابلتهم .
 طيلة أيام الاضراب كان العمال يتجمعون صباح مساء في الساحة المقابلة لمقر الشركة حيث كانت الكلمات والقصائد الشعبية الحماسية .
وفي اليوم السادس من الاضراب حضر من بغداد وزير الشؤون الاجتماعية – حسن عبد الرحمن – وتفاوض مع لجنة الاضراب بمحاولة لاقناع العمال بفك الاضراب لقاء تلبية بعض مطاليبهم التي أستثنى منها إجازة النقابة ومطالب أخرى ، غير ان العمال رفضوا ذلك .
وطوال فترة الاضراب لم تكف الشركة بواسطة عملائها عن ممارسة أساليبها الماكرة المعروفة المستهدفة كسر الاضراب : وذلك ببث الشائعات المثبطة ومحاولة إضعاف معنويات العمال وتصديع وحدتهم ، ولكن بعد ان تكسرت جميع هذه المحاولات على صخرة وعي ويقظة ووحدة العمال ، لجأت الى العنف حيث قام أحد موظفيها الانكليز بأطلاق النار على احد العمال المضربين في الزبير واصابه في ساعده . غير ان هذا الاسلوب لم يزد العمال الا حماساً وأًصراراً على موقفهم .
إزاء تطور الاضراب ومساندة عمال القطاعات الاخرى وجماهير المدينة ودعم القوى السياسية في البلاد والصحف الوطنية وتزايد الاضرابات التضامنية وإرسال الوفود والبرقيات وجمع التبرعات وانطلاق المظاهرات الطلابية المساندة ، وخوفاً من سريان روح الاضراب الى عمال عموم العراق ، فقد توجه الى البصرة في اليوم العاشر من الاضراب ، وزير الداخلية – سعيد قزاز – وبصحبته ثلة من القوة السيارة التي طوقت فوراً المراكز الرئيسية للميناء والمعقل وبعض المؤسسات الاخرى ، كما احتلت مقر شركة نفط البصرة . وفي مثل هذا الجو الارهابي دعا الوزير المذكور الى التفاوض مع وفد العمال في منطقة المطار بالمعقل ، غير ان الوفد رفض المفاوضة في هذا المكان البعيد عن المدينة ومراكز تجمع العمال ، خشية الايقاع به ، وكان على حق . ولكن الشرطة كانت قد هيأت مسبقاً وفداً من صنائعها لمقابلة الوزير بأسم العمال ، غير ان مناورة الوزير هذه فشلت هي الاخرى .
في ليلة 17 / 12 / 1953 وجهت السلطة إنذاراً نهائياً للعمال بوجوب إنهاء الاضراب والكف عن التجمعات والا فستلجأ الى قوة النار . وعندما رفض العمال التهديد وأصروا على مواصلة الكفاح أصدر الوزير أمره بأطلاق الرصاص على صدور العمال الامر الذي أدى الى استشهاد احد العمال وواحد من الاهلين وإصابة خمسة آخرين بجروح وتم اعتقال حوالي 200 عامل ، كما اعلنت الاحكام العرفية في اللواء وزج بخيرة العمال وأبناء الشعب في المواقف والسجون بأمر من المحاكم العرفية التي اطلق عليها البصريون ، بحق – محاكم تيسو – مدير شركة نفط البصرة آنذاك .
وقد دام اضراب عمال شركة نفط البصرة الابطال عشرين يوماً . ورغم انه كسر بقوة الحديد والنار ولم يحقق أهدافه المطلبية إلا انه ساعد في خلق جو ثوري في البلاد . كما زاد من تعرية السلطة الرجعية بوصفها أداة بيد شركات النفط الاستعمارية .

  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: صفحات من تاريخ الطبقة العاملة العراقية Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى