مقالات العام

الشركات متعددة الجنسيات واقتصادنا الوطني ... احمد رشيد

يواجه اقتصادنا الوطني صعوبات وتحديات غير قليلة في ظل غياب الرؤية الواضحة له ، وبسبب الضغوطات التي يتعرض له من المؤسسات المالية العالمية ( البنك الدولي ، صندوق النقد الدولي ، منظمة التجارة العالمية ) من اجل توفير الارضية السهلة للشركات متعددة الجنسيات للحصول على اكبرالامتيازات والاستثمار وفرص العمل باساليب مختلفة .
وكما هو معلوم ان القوة الاقتصادية والمالية التي تمثلها هذه الشركات خاصة مع اتجاه بعضها نحو الاندماج والتكتل في كيانات أكبر إنما تسمح لها بممارسة المزيد من الضغط على الحكومات وبخاصة في العالم الثالث ومنها بلدنا والتأثير على سياساتها وقراراتها السيادية ، وليس جديد أن نقول أن رأسمال شركة واحدة من الشركات العملاقة يفوق إجمالي الدخل القومي لعشر أو خمس عشرة دولة أفريقية أو آسيوية فقيرة مجتمعة ، وإن مجموع مبيعات شركة ( جنرال موتورز ) أكبر من الناتج الوطني الخام لبلد مثل السعودية أو تركيا أو بولونيا ، ولقد اعتبرت هذه الشركات تجسيداً للقوة الاقتصادية المستقلة كونها اصبحت تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في اتخاذ القرارات الاقتصادية من بلد إلى آخر . فنجد مثلاً شركة كبرى كالإخطبوط الممتد في جميع جهات العالم ليس لها مقر واحد فمقرها افداري في دولة ومقرها التسويقي في دولة ثانية ومقرها الهندسي والفني في دولة ثالثة وهكذا لم تعد تنتمي لدولة ولا تقترن بوطن واحد ولا تؤمن بالولاء لأية قومية او منطقة جغرافية وهي تحاول ايضاً عدم الوقوع في مطبات الإشكاليات الاقتصادية عن طريق تخطي الحواجز الكمركية إما بالاستثمار المباشر داخل البلد المطلوب غزوه او بقدراتها على التهرب مما تفرضه الدولة من سياسات نقدية ومالية بطرق مختلفة وتعمل على تكييف مختلف النظم والسياسات الاقتصادية في العالم مع احتياجاتها ، وهي إ1 تتحكم في تكنولوجيا ثورة المعلومات والاتصالات تفرض ومنذ التسعينات على اقتصاديات ودول مجتمعات العالم ان تعيد التكيف مع مظاهر ومعطيات العالم الجديد الذي تعيد الآن تشكيلع تحت مسمى ( العولمة ) . والعراق نموذج قريب الى ما ذكر ، حيث هناك محاولات غير قليلة لتغيير سياساته وفق هذه الاجندة وبتسميات مختلفة ، وليس خافياً على احد الدور المحوري الذي لعبته هذه الشركات وراء اتفاقية الجات عام 1994 وإنشاء منظمة التجارة العالمية من اجل الدفع بقوة نحو ( تحرير الأسواق والتجارة العالمية وتدفقات السلع والمنتجات والاموال السائلة والاوراق المصرفية والمواد الإعلامية والإعلانية والدعائية ) مما يتجاوز قدرات الدولة وسلطاتها الأمر الذي يؤكد النتيجة التي استنتجتها دراسة قام فيها معهد الاقتصاد الدولي في مدينة ( كيل ) في المانيا بأن الدولة غدت في منظور الشركات متعددة الجنسيات بمنزلة المضيف ، من المفارقات ان العراق انضم اليها دون وضوح لمببرات هذا الانضمام !واقتصاده مدمر وبنيته التحتية فاقدة التوازن  ، ولا توجد لديه القدرة على تقديم ما ينفع اقتصاده الوطني ! ،كما ان هذه الشركات أمست على نحو متزايد ذات طبيعة طفيلية تمتص قدرات وسلطات الدولة شيئاً فشيئاً .
غير ان هذه الرؤية التي تفرط في تقدير حجم قوة هذه الشركات يجب ان لا تجعلنا نغفل علاقة هذه الشركات مع الدول الكبرى التي تحتضن مقراتها المركزية وفي حالات كثيرة تستعمل هذه الشركات من قبل هذه الدول لتحقيق بعض الاهداف التي تعجز عنها بالوسائل الاخرى السياسية ، فالكثير من الشركات الكبرى تحافظ على جزء من استثماراتها ونشاطاتها الإنتاجية في بلدانها الأصلية وقيادتها وإدارتها تنتمي أيضاً إلى الموطن الأصلي .
ازاء ذلك يتطلب من منظمات العمال وحتى منظمات ارباب العمل الوطنية الحد من قوة ونشاطات هذه الشركات وان تتخذ الحذر في تعاملها في ضوء سياسة  اقتصاد السوق الذي تتبعه الحكومة العراقية وان يكون موقفها نابعاً من المصلحة الوطنية العليا في بناء اقتصاد وطني حقيقي ومن اجل توفير فرص عمل للعمالة العراقية  لإنهاء مشكلة البطالة المتفاقمة وان يكون للتنظيم النقابي دوره الوطني للدفاع عن المصالح الحيوية للطبقة العاملة العراقية وعموم شعبنا ووطننا العزيز .
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: الشركات متعددة الجنسيات واقتصادنا الوطني ... احمد رشيد Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى