مقالات العام

الحركة النقابية العمالية .. والصراع الطبقي .... عدنان الصفار


الحركة النقابية العمالية .. والصراع الطبقي
عدنان الصفار
نشأت النقابات في بدايات القرن الماضي في خضم صراعات هائلة خاضتها الطبقة العاملة الناشئة خلال الثورة الصناعية. وكانت هذه النقابات عبارة عن تجمعات قاعدية جماعية ظهرت في صفوف العمال في معترك نضالهم الطبقي .
وبالطبع شنت السلطات الحاكمة حربًا شعواء ضد هذه النقابات، فراحت تنكل بقيادات النقابات وتهدد العمال المنضمين للنقابات بالحرمان من العمل، وتستخدم أدوات القهر البوليسية في قمع الإضرابات وفض الاجتماعات النقابية…الخ. ولكن سرعان ما تبين للسلطات أن القمع وحده لا يكفي، فراحت تلجأ إلى وسيلة أخرى هي استيعاب النقابات بدلاً من سحقها. هكذا اعترفت الحكومات الرجعية بالنقابات وأضفت عليها الشرعية في مقابل رضوخ هذه النقابات لأهم مطالب البرجوازية ، ألا وهو تقليص أهدافها إلى الحدود التي لا تشكل خطرًا على استقرار المجتمع البرجوازي، أي تحديدًا الاكتفاء بالنضال الاقتصادي الذي يهدف إلى تحسين شروط الاستغلال لا القضاء عليه.
وجنبًا إلى جنب مع هذا “القصور السياسي” للنقابات، فإن تغيرات أخرى لا تقل أهمية لحقت ببنية هذه النقابات من جهة، تبلورت شريحة من “المسئولين النقابيين” ذوي مستوى معيشي وظروف حياة وعمل مختلفة كلية عن العمال العاديين، يتولون قيادة العمل النقابي والوساطة بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع الرأسمالي: البرجوازية والعمال . ومن جهة أخرى، راحت النقابات تنظم العمال على أساس الحرفة أو الصناعة، وبذلك أصبحت النقابات عامل تجميع للطبقة العاملة في نفس الوقت.
استطاعت الحكومات الرجعية والمتسلطة إذن أن تروض النقابات التي صارت تلعب دورًا هامًا في لجم سخط الطبقة العاملة واحتوائه داخل “الحدود الآمنة”. ولكن الرأسمالية لم تكن هي المستفيد الوحيد من هذا الوضع، بل استفادت منه كذلك البيروقراطية النقابية. فعلى الرغم من أن عناصر هذه البيروقراطية تأتي في الأغلب من داخل صفوف العمال، فإن وظيفتهم الاجتماعية في الوساطة والتفاوض، ومستوى معيشتهم الذي يزيد بما لا يقاس على مستوى معيشة العمال العاديين، والاستقرار الذي يتسم به عملهم الذي لا يتهدد بتقلبات السوق، والعالم الذي يعيشون فيه (عالم المكاتب المريحة والاجتماعات “الهامة” مع الشخصيات “المحترمة”) – كل ذلك يجعل من البيروقراطية النقابية طبقة منفصلة عن الطبقة العاملة. إنها في الواقع إحدى شرائح البرجوازية الصغيرة على الرغم من أنها تتميز عن بقية شرائح هذه الطبقة بالعلاقة التنظيمية الوثيقة التي تربطها بالطبقة العاملة. البيروقراطية النقابية هي جزء من البرجوازية الصغيرة يحيا على أساس دوره الوسيط بين البرجوازية والطبقة العاملة. وحيث إن وجودها ذاته يرتبط باستمرار عملية الوساطة، فإن لها مصلحة مؤكدة في استمرار المجتمع الطبقي ذاته.
على أنه من الخطأ أن نتصور أن النقابات وقد تم ترويضها، والبيروقراطية النقابية وقد تم خلقها واستمالتها، فإن ذلك قد أضفى على العمل النقابي سمات ثابتة لا تتغير. فالبيروقراطية النقابية بطبيعة الحال تتعرض لضغوط متناقضة. ضغوط من أعلى وضغوط من أسفل، ضغوط من البرجوازية وضغوط من الطبقة العاملة. كلما انخفض مستوى الصراع الطبقي في المجتمع كلما نجحت البيروقراطية النقابية في فرض هيمنتها على العمال وفي لعب دور صمام أمان المجتمع الرأسمالي بامتياز. وبالمثل فكلما ارتفعت وتيرة الصراع الطبقي كلما تزايدت ضغوط العمال التي تستهدف تحقيق ديمقراطية العمل النقابي وتسييسه. فالعمال عندما يتحدون سيطرة رأس المال، فإنما يتحدون أيضًا جزئيًا مؤسساتهم” التي سرقت منهم، فيعملون على زيادة تأثيرهم ومشاركتهم في اتخاذ القرار داخل نقاباتهم، كما يعملون في أحيان كثيرة على تعميق العمل النقابي وتطوير أهدافه بما يتجاوز الحدود الضيقة التي تحاول البرجوازية فرضها.
عملية الترويض التي تعرضت لها النقابات إذن على مدى القرن ونصف الأخيرين كانت مسارًا سياسيًا واجتماعيًا حدث داخل مجرى التاريخ، ولم تكن أبدًا تعبيرًا عن “الطبيعة الجوهرية” للعمل النقابي. لم تتحول النقابات فقط إلى أداة للنضال الاقتصادي الضيق داخل حدود المجتمع الرأسمالي، وإنما تحولت إلى أداة بوليسية في أيدي العدو الطبقي للطبقة العاملة، يستخدمها هذا العدو لإخضاع الطبقة العاملة والهيمنة عليها . والواقع أن هذا الوضع يعكس في أحد جوانبه قوة البرجوازية وقدرتها على البطش بالعمال وحرمانهم من سلاحهم التنظيمي – النقابات. إلا أنه يعكس أيضًا ضعف وهشاشة هذه البرجوازية التي لا تستطيع أن تتحمل وجود تنظيم جماهيري أو عمالي مستقل .
إن مهمة النقابيين الحقيقيين إزاء النقابات المدجنة والمبقرطة والتي تضع أسوارًا عالية بين النضال الاقتصادي والسياسي، هي الانخراط في النضال القاعدي مع العمل بغرض دفع الوعي والتجربة العماليين في اتجاه تحقيق ديمقراطية واستقلالية النقابات وحمايتها من العناصر الطارئة عليها والتي تستخدم تاريخها واسمها وكدح عمال لمصالحها الخاصة النفعية .
ويقع على عاتق الملاكات النقابية في الحركة النقابية العمالية العراقية بالدرجة الأولى،واجب الانحياز المطلق للطبقة العاملة والإيمان الصادق بعدالة قضيتها والدفاع عن كل العمال دون تمييز بدافع اختلاف اللغة والعنصر والعقيدة والانتماء الفكري والسياسي والطائفي،وتجنب كل ما يسيء إلى سمعة الحركة النقابية والعمال وذلك بالحذر واليقظة من أحابيل العدو الطبقي.أن وعي القيادات العمالية وتضامنها سوف يحول دون تمزيق أوصال الحراك النقابي في مجتمعنا من أجل مصالح خاصة ونفعية ضيقة .
  • تعليقات
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: الحركة النقابية العمالية .. والصراع الطبقي .... عدنان الصفار Rating: 5 Reviewed By: admin.gfiw
إلى الأعلى